الشيخ حسن المصطفوي
58
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
وهو يتجاحم أي يتحرّق حرصا وبخلا . والتحقيق أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة : هو شدّة الحرارة والتوقّد ، وبهذا الاعتبار يطلق على النار المتوقّدة وعلى محلّ يتوقّد فيها النار ، ثمّ إنّ النار إمّا محسوسة مادّية وإمّا متحصّلة من سوء الأعمال والنيّات فهي من الأمور المعقولة والروحانيّة . وبهذا المعنى يحمل قوله تعالى : * ( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) * - 102 / 6 . * ( إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ) * - 37 / 64 . * ( وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ) * - 82 / 14 . وهذه النار اشدّ توقّدا وحرارة من النار المحسوسة - . * ( نارُ ا للهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ ) * . فانّ النار المادّيّة إنّما تؤثّر في المادّيّات ، والمادّة محدودة ضعيفة تأثيرا وقبولا ، ولا دوام لوجودها وتحمّلها ، وتفنى بشدّة العذاب ، بخلاف ما هو ممّا وراء عالم الطبيعة . وليس في ما بين المعنيين مانعة جمع ، ونظرنا إلى تشقيق الشقوق الممكنة فانّ معارف القرآن المجيد لا تنحصر في المادّيّات والعوالم المحسوسة - راجع النار . مع أنّ النار الروحانيّة متحصّلة في النفس ومتحقّقة في قلب الإنسان ، معلومة مدركة لمن كان له أدنى بصيرة ، فوجودها مقطوعة مسلَّمة . وفي قرّة العيون للفيض - والنار ناران نار روحانيّة تطَّلع على الأفئدة للمنافقين والمتكبّرين والمكذّبين ، وهي إنّما تنشأ بوسيلة عالم العقل بسبب فقدان المعارف والكمالات العقليّة ، إمّا بإنكارها وجحودها أو بالحرمان عنها بعد إدراكها بحسب حصول أضدادها .